أبي الفرج الأصفهاني
302
الأغاني
أخبار بثينة ويحدّثها بخبره بعدها ويحمّلها رسائله . ثم أعطاها خاتمه وسألها دفعه إلى بثينة وأخذ موعد عليها ، ففعلت وانصرفت إلى أهلها وقد أبطأت عليهم . فلقيها أبو بثينة وزوجها وأخوها فسألوها عما أبطأ بها ، فالتوت عليهم ولم تخبرهم وتعلَّلت ؛ فضربوها ضربا مبرّحا ؛ فأعلمتهم حالها مع جميل ودفعت إليهم خاتمه . ومرّ بها في تلك الحال فتيان من بني عذرة فسمعا القصّة كلَّها وعرفا الموضع الذي فيه جميل ، فأحبّا أن يثبّطا عنه فقالا للقوم : إنكم إن لقيتم جميلا وليست بثينة معه ثم قتلتموه لزمكم في ذلك كلّ مكروه ؛ وأهل بثينة [ 1 ] أعزّ عذرة ، فدعوا الأمة توصّل خاتمه إلى بثينة ، فإذا زارها بيّتموهما جميعا ؛ قالوا : صدقتما لعمري إنّ هذا الرأي . فدفعوا الخاتم إلى الأمة وأمروها بإيصاله وحذّروها أن [ 2 ] تخبر بثينة بأنهم علموا القصّة ، ففعلت . ولم تعلم بثينة بما جرى . ومضى الفتيان فأنذرا جميلا ؛ فقال : واللَّه ما أرهبهم ، وإن في كنانتي ثلاثين سهما واللَّه لا أخطأ كلّ واحد منها رجلا منهم ، وهذا سيفي واللَّه ما أنا به رعش اليد ولا جبان الجنان . فناشداه اللَّه وقالا : البقية [ 3 ] أصلح ، فتقيم عندنا في بيوتنا حتى / يهدأ الطلب ، ثم نبعث إليها فتزورك وتقضي من لقائها وطرا وتنصرف سليما غير مؤبّن [ 4 ] . فقال أمّا الآن فابعثا إليها من ينذرها ؛ فأتياه براعية لهما وقالا له : قل بحاجتك ؛ فقال : ادخلي إليها وقولي لها : إني أردت اقتناص ظبي فحذره ذلك جماعة اعتوروه من القنّاص ففاتني الليلة . فمضت فأعلمتها ما قال لها ؛ فعرفت قصّته وبحثت عنها فعرفتها ؛ فلم تخرج لزيارته تلك الليلة ورصدوها فلم تبرح مكانها ومضوا يقتصّون أثره فرأوا بعر ناقته فعرفوا أنه قد فاتهم ، فقال جميل في ذلك : خليليّ عوجا اليوم حتى تسلَّما على عذبة الأنياب طيّبة النّشر ألمّا بها ثم اشفعا لي وسلَّما عليها سقاها اللَّه من سبل [ 5 ] القطر [ 6 ] إذا ما دنت زدت اشتياقا وإن نأت جرعت لنأي الدار منها وللبعد / أبى القلب إلا حبّ بثنة لم يرد سواها وحبّ القلب بثنة لا يجدي قال : وقال أيضا : ومن الناس من يضيف هذه الأبيات إلى هذه القصيدة ؛ وفيها أبيات معادة القوافي تدلّ على أنها مفردة عنها ، وهي :
--> [ 1 ] كذا في جمع الأصول . والأحرى بهذه الجملة أن تكون : « وأهل جميل إلخ » . [ 2 ] في الأصول : « بأن » . [ 3 ] البقية كالبقيا وهي أن تبقى على عدوّك ولا تستأصله . [ 4 ] غير مؤبن : غير معيب . يريد لم تصب بمكروه . وفي « مختصر الأغاني » : « غير موتور » . [ 5 ] في ب ، س « من سائغ القطر » . [ 6 ] كذا في الأصول التي بين أيدينا . ويلاحظ أن الكلام هاهنا مقتضب ، إذ لا اتصال بين الشعر الذي قافيته راء والشعر الذي قافيته دال . وورد في مختصر الأغاني بعد هذين البيتين اللذين قافيتهما راء ثلاثة الأبيات الآتية ، وهي من أبيات سيوردها المؤلف قريبا في ص 150 . وبوحا بذكري عند بثنة وانظرا أترتاح يوما أم تهش إلى ذكرى هي البدر حسنا والنساء كواكب وشتان ما بين الكواكب والبدر لقد فضلت ليلى على الناس مثل ما على ألف شهر فضلت ليلة القدر